المقريزي
546
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
وظفروا به ممن تأخّر ، فلم يبقوا صغيرا ولا كبيرا من الرجال والنّساء بعد ما فجروا بهنّ جهارا من غير تستّر ولا احتشام ، ونهبوا جميع ما كان بالمدينة . هذا ، وأهل القلعة يحمونها بالرّمي على التّمرية بالسّهام ومكاحل النّفط حتى امتلأت المدينة بالقتلى والجرحى ، واستمرّ القتل من طلوع الشّمس يوم الثلاثاء إلى الغروب ، فلمّا أقبل اللّيل خرج التّمرية إلى معسكرهم مقابل عربون ، وقد قتل من الفريقين مالا يعدّ كثرة ، وأكثرهم من أهل ماردين فلمّا أصبحوا يوم الأربعاء جدّوا نهارهم كلّه في هدم « 1 » سور المدينة حتى سوّوا به الأرض ، ثم كتب تيمور في يوم الخميس إلى أهل القلعة يتلطّف بهم وأنه عفا عنهم ، ولم يؤاخذهم بشيء من فعالهم إن هم سلّموا القلعة ، فلم يقبلوا قوله ، ولجّوا في امتناعهم وعادوا على رميهم عليه ، فرحل عن ماردين في يوم السبت ونزل البشير به ، وجهّز سلطان محمود على عسكر إلى آمد ، ثم تبعه فأخذها وجرى على عادته في القتل والسّبي والنّهب والتّخريب ، ثم أخذ قلعة أونيك . وسار في سابع ذي القعدة يريد بلاده ومعه الظّاهر عيسى في أسوء حال حتى نزل سلطانية فسجنه بها ومعه من أمرائه الذين خرجوا معه ؛ الأمير ركن الدين ، وعزّ الدين السّليماني ، وأسن بغا ، وضياء الدين . وأمر أن يضيّق عليه وعليهم ، فامتنع خبره عن كل أحد ، ومضى تيمور نحو دشت قبجاق ، فأقام الظاهر سنة لا يعرف أحد بحاله ، حتى قدمت الملكة الكبرى زوجة تيمور إلى السّلطانية فنفّست عنه وأذنت له أن يكاتب أهله بماردين وأشارت عليه أن يبعث في طلب العفو عنه إلى تيمور ، ففعل وكان ذلك من فعلها بإشارة تيمور لها ، فلمّا عاد تيمور من الدّشت في شعبان سنة ثمان وتسعين أقام بالسّلطانية ثلاثة عشر يوما ، ومضى منها إلى همذان فأقام إلى ثالث عشر شهر رمضان ، واستدعي الظاهر مكرما
--> ( 1 ) في الأصل : « هذه » ولا معنى لها .